محمد بن جرير الطبري
134
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً والحطام : فتات التبن والحشيش ، يقول : ثم يجعل ذلك الزرع بعد ما صار يابسا فتاتا متكسرا . وقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ يقول تعالى ذكره : إن في فعل الله ذلك كالذي وصف لذكرى وموعظة لأهل العقول والحجا يتذكرون به ، فيعلمون أن من فعل ذلك فلن يتعذر عليه إحداث ما شاء من الأشياء ، وإنشاء ما أراد من الأجسام والأعراض ، وإحياء من هلك من خلقه من بعد مماته وإعادته من بعد فنائه ، كهيئته قبل فنائه ، كالذي فعل بالأرض التي أنزل عليها من بعد موتها الماء ، فأنبت بها الزرع المختلف الألوان بقدرته . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ . . . مُبِينٍ يقول تعالى ذكره : أفمن فسح الله قلبه لمعرفته ، والإقرار بوحدانيته ، والإذعان لربوبيته ، والخضوع لطاعته فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ يقول : فهو على بصيرة مما هو عليه ويقين ، بتنوير الحق في قلبه ، فهو لذلك لأمر الله متبع ، وعما نهاه عنه منته فيما يرضيه ، كمن أقسى الله قلبه ، وأخلاه من ذكره ، وضيقه عن استماع الحق ، واتباع الهدى ، والعمل بالصواب ؟ وترك ذكر الذي أقسى الله قلبه ، وجواب الاستفهام اجتزاء بمعرفة السامعين المراد من الكلام ، إذ ذكر أحد الصنفين ، وجعل مكان ذكر الصنف الآخر الخبر عنه بقوله : فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ يعني : كتاب الله ، هو المؤمن به يأخذ ، وإليه ينتهي . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ قال : وسع صدره للإسلام ، والنور : الهدى . حدثت عن ابن أبي زائدة عن ابن جريج ، عن مجاهد أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ قال : ليس المنشرح صدره مثل القاسي قلبه . قوله : فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : فويل للذين جفت قلوبهم ونأت عن ذكر الله وأعرضت ، يعني عن القرآن الذي أنزله تعالى ذكره ، مذكرا به عباده ، فلم يؤمن به ، ولم يصدق بما فيه . وقيل : مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ والمعنى : عن ذكر الله ، فوضعت " من " مكان " عن " ، كما يقال في الكلام : أتخمت من طعام أكلته ، وعن طعام أكلته بمعنى واحد . وقوله : أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يقول تعالى ذكره : هؤلاء القاسية قلوبهم من ذكر الله في ضلال مبين ، لمن تأمله وتدبره بفهم أنه في ضلال عن الحق جائر . القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً . . . ذلِكَ هُدَى اللَّهِ . . . مِنْ هادٍ يقول تعالى ذكره : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً يعني به القرآن مُتَشابِهاً يقول : يشبه بعضه بعضا ، لا اختلاف فيه ، ولا تضاد ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً الآية تشبه الآية ، والحرف يشبه الحرف . حدثنا محمد قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي كِتاباً مُتَشابِهاً قال : المتشابه : يشبه بعضه بعضا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن يعقوب ، عن جعفر ،